تعتبر صفقات الأهلي والزمالك هي المحرك الرئيسي لشغف الجماهير المصرية مع إطلالة كل موسم جديد، وفي مارس 2026، يبدو أن الميركاتو الأخير لم يكن مجرد فترة لتبادل اللاعبين، بل كان زلزالاً فنياً أعاد تشكيل خريطة المنافسة في القارة السمراء. فنحن اليوم لا نتحدث عن مجرد أسماء تُضاف للقائمة، بل عن رؤى فنية متكاملة يحاول من خلالها “الدانمركي جيس توروب” في الأهلي، و”يانيك فيريرا” في الزمالك، فرض فلسفتهما الخاصة على “ديربي القاهرة” الذي لا يهدأ.
منذ لحظة الإعلان عن الصفقات، انقسم الشارع الرياضي بين مؤيد يرى في الوجوه الجديدة دماءً شابة قادرة على حصد الأخضر واليابس، وبين معارض يخشى من غياب “الانسجام” أو التضحية بـ “هوية الفريق” من أجل أسماء لامعة. وفي هذا المقال، نغوص في أعماق “المطبخ الفني” للقطبين، لنحلل كيف ستغير هذه الصفقات شكل الكرة المصرية في موسم 2025-2026.
صفقات الأهلي والزمالك: كيف تغيرت خارطة القوى في الميركاتو الأخير؟
لا يمكن الحديث عن الميركاتو الحالي دون التوقف عند “صفقة القرن” التي صدمت الجميع؛ انتقال أحمد سيد “زيزو” من ميت عقبة إلى الجزيرة. هذه الصفقة لم تكن مجرد انتقال لاعب، بل كانت إعلاناً صريحاً عن تحول موازين القوى. الأهلي، بذكاء إداري ودعم من ياسين منصور، نجح في خطف “أيقونة” المنافس، مما وضع عبئاً ثقيلاً على صفقات الأهلي والزمالك في الميزان الجماهيري.
في المقابل، وجد الزمالك نفسه أمام تحدٍ وجودي؛ كيف يعوض رحيل زيزو في ظل أزمات القيد التي طاردته؟ الإجابة جاءت من خلال “العالمية”. الزمالك اتجه للمدرسة اللاتينية والفلسطينية لتعويض النقص، فاستقطب عدي الدباغ والبرازيلي خوان ألفينا بيزيرا، في محاولة لخلق “توليفة” تعتمد على الجماعية بدلاً من النجم الأوحد. هذا التحول الاستراتيجي جعل المنافسة هذا الموسم تبدو كصراع بين “الخبرة الممزوجة بالنجومية” في الأهلي، و”الطموح الممزوج بالبحث عن الذات” في الزمالك.
صفقات الأهلي والزمالك في مركز الهجوم: هل انتهت أزمة “المهاجم الصريح”؟
لطالما كان مركز “رأس الحربة” هو الصداع المزمن في رأس مدربي القطبين، ولكن يبدو أن صفقات الأهلي والزمالك لهذا الموسم وضعت حلولاً جذرية. الأهلي استعاد “المخيف” محمد شريف بعد رحلة احترافية، وهو لاعب يمتلك “جينات الأهلي” ويعرف طريق المرمى جيداً. توروب يرى في شريف المهاجم الذي يجيد استغلال المساحات، خاصة مع وجود أجنحة مثل تريزيجيه وزيزو يمدونه بالكرات العرضية والقطرية.
أما في ميت عقبة، فقد كان الرهان على الفلسطيني عدي الدباغ. عدي ليس مجرد مهاجم يسجل الأهداف، بل هو “محطة” لعب بامتياز، يجيد الالتحام الهوائي ويمتاز بقوة بدنية هائلة تناسب أجواء الدوري المصري المتسمة بالتدخلات القوية. فنيًا، يميل الدباغ للتحرك خارج الصندوق لفتح مساحات للقادمين من الخلف مثل شيكو بانزا، وهو ما يمنح الزمالك تنوعاً هجومياً افتقده في المواسم السابقة. الصراع الهجومي بين شريف والدباغ سيكون هو “الترمومتر” الذي يحدد هوية بطل الدوري هذا العام.
صفقات الأهلي والزمالك لتدعيم الوسط: صراع السيطرة على “منطقة العمليات”

إذا كان الهجوم يسجل الأهداف، فإن خط الوسط هو من يصنع الانتصارات. وفي هذا الصدد، جاءت صفقات الأهلي والزمالك لتعكس رغبة المدربين في امتلاك “رئة” لا تتوقف عن التنفس. الأهلي نجح في ضم “الجوكر” حامد حمدان من بتروجيت، وهو لاعب يمتاز بالقدرة على أداء دور “رقم 6″ و”رقم 8” بنفس الكفاءة. حمدان هو القطعة الناقصة في تشكيل توروب، حيث يمنح الفريق التوازن الدفاعي الذي افتقده برحيل أليو ديانج، مع قدرة مذهلة على بناء اللعب تحت الضغط.
على الجانب الآخر، فقد الزمالك ناصر ماهر لصالح بيراميدز، وهو ما أجبر الإدارة على البحث عن حلول بديلة. التعاقد مع المغربي عبد الحميد معالي كان ضربة معلم؛ فمعالي يمتلك “رؤية” (Vision) تذكرنا بجيل الزمالك الذهبي. هو اللاعب الذي “يرى الملعب قبل الجميع”. فنيًا، سيعتمد فيريرا على معالي ليكون العقل المدبر الذي يربط بين الدفاع والهجوم، وسيكون عليه عبء تعويض “كاريزما” زيزو في صناعة اللعب. المعركة في “دائرة المنتصف” ستكون بدنية وتكتيكية من الطراز الرفيع، حيث يسعى كل فريق لفرض إيقاعه الخاص.
صفقات الأهلي والزمالك في الدفاع وحراسة المرمى: تأمين الحصون للموسم الطويل
في البطولات الطويلة، “الدفاع هو من يجلب الدروع”. ولأن الأهلي والزمالك عانيا دفاعياً في فترات سابقة، فقد حظي هذا الخط بنصيب الأسد من الاهتمام. ضمن صفقات الأهلي والزمالك، برز اسم يوسف بلعمري كظهير أيسر عصري للأهلي قادماً من الرجاء المغربي. بلعمري هو البديل الاستراتيجي لعلي معلول، حيث يجمع بين الصلابة الدفاعية والمساهمة الهجومية الفعالة. كما أن التعاقد مع محمود الجزار وأحمد عيد أعاد للفريق الأحمر هيبته الدفاعية بوجود عناصر تمتاز بالسرعة والقوة في الالتحامات “رجل لرجل”.
أما الزمالك، فقد ركز على “العمق” الدفاعي بالتعاقد مع محمد إسماعيل من زد، ليكون شريكاً لحسام عبد المجيد. المشكلة التي تواجه الزمالك هي مركز الظهير الأيمن بعد رحيل المثلوثي، حيث ما زال البحث جارياً عن التوازن. فنياً، يميل دفاع الزمالك هذا الموسم للعب بـ “خط دفاع متقدم” للضغط على المنافس، وهي مخاطرة تتطلب حارس مرمى يقظاً مثل محمد صبحي، الذي بات مطالباً بتقديم موسم استثنائي في ظل غياب صفقات كبرى في مركز الحراسة للقطبين، باستثناء انضمام محمد سيحا للأهلي كحارس للمستقبل.
توقعات الجماهير حول صفقات الأهلي والزمالك: بين التفاؤل المفرط والحذر الفني
لا تكتمل الصورة دون النظر إلى “المدرج”. جماهير الأهلي تعيش حالة من “النشوة” غير المسبوقة؛ ففكرة رؤية تريزيجيه وزيزو ومحمد شريف في فريق واحد هي حلم تحول إلى حقيقة. التوقعات تشير إلى رغبة حمراء في اكتساح كافة البطولات، بما في ذلك كأس العالم للأندية بنظامه الجديد. ومع ذلك، هناك صوت “عاقل” بين الجماهير يحذر من “تضخم النجوم” (Ego Issues)؛ فكيف سيسيطر توروب على غرفة ملابس تعج بالأسماء الرنانة؟ وكيف سيوزع الأدوار دون أن يشعر نجم بالظلم؟
في المقابل، تعيش جماهير الزمالك حالة من “التوجس المشروع”. الرحيل الصادم لزيزو وناصر ماهر والاعتزال الحزين لشيكابالا وعبد الشافي، جعل المشجع الزملكاوي يشعر بأن الفريق يمر بمرحلة “انعدام وزن”. لكن، هناك تيار متفائل يرى في صفقات الأهلي والزمالك الشابة ميزة للقلعة البيضاء؛ فالفريق الآن أصبح “أصغر سناً” وأكثر حيوية. التوقعات الجماهيرية تميل لصالح الأهلي “ورقياً”، لكن الكرة المصرية علمتنا أن “روح الزمالك” تظهر دائماً في الأوقات الصعبة، وأن الأسماء لا تلعب وحدها فوق العشب الأخضر.

الخلاصة: من يربح رهان الميركاتو؟
في النهاية، تظل صفقات الأهلي والزمالك هي الحبر الذي يكتب تاريخ الموسم الجديد. الأهلي اختار “الاستثمار في المضمون” بجلب نجوم جاهزين لصناعة الفارق فوراً، بينما اختار الزمالك “بناء المستقبل” بأسماء شابة وجنسيات متنوعة تحتاج لوقت للانسجام. فنيًا، الأهلي يمتلك الأفضلية في “جودة الأفراد”، لكن الزمالك يمتلك ميزة “الرغبة في إثبات الذات” والهروب من عباءة النجم الواحد.
الموسم طويل، والإصابات وضغط المباريات سيكشفان من هو الفريق الذي امتلك “دكة بدلاء” قوية وليس فقط “تشكيلاً أساسياً” لامعاً. الأيام القادمة ستجيب على السؤال الصعب: هل تنجح أموال الأهلي وصفقاته المليونية في حسم الأمور مبكراً؟ أم أن تكتيك فيريرا والوجوه السمراء واللاتينية الجديدة في الزمالك ستقلب الطاولة وتعلن عن بطل غير متوقع؟
